Skip to content

الريقي الليبي: حكاية الإيقاع الذي عبر المحيط

هيثم سعيد 4 min readShare

This story hasn't been translated to English yet — showing the original Arabic.

الريقي الليبي: حكاية الإيقاع الذي عبر المحيط

في منتصف السبعينيات، بينما كانت الساحة الموسيقية العربية تحت سيطرة التخت الشرقي والأوركسترا الضخمة، كانت أشرطة كاسيت مهربة ومستوردة تتسلل إلى شواطئ طرابلس وأزقة بنغازي، تحمل أصوات بوب مارلي وبيتر توش ولاكي دوبي. لم تكن تلك الموسيقى القادمة من جامايكا مويجة عابرة. لامست وترًا حساسًا في الثقافة المحلية، وتشكل منها لاحقًا واحد من أكثر التجارب الفنية استثناءً في شمال إفريقيا: الريقي الليبي.

لماذا وجد الريغي بيتًا في ليبيا؟

السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا هو لماذا تقبل الليبيون هذا اللون الغربي بهذه السرعة والحماسة. الجواب يكمن في توافق مدهش بين إيقاعات الريقي وبين إيقاعات ليبية تراثية مثل المرسكاوي والشعبي والغيطة. كانت الأذن الليبية، ببساطة، مستعدة لهذا الإيقاع قبل أن تسمعه.

لم يتوقف التمازج عند الإيقاع. دمج الموسيقيون الليبيون خط الباص العميق والدرامز والساكسفون والغيتار الكهربائي مع آلات محلية مثل الدربوكة والبندير والعود والزكرة، فصار بالإمكان أن ينساب الكلام العربي المفعم بالحنين فوق إيقاع جامايكي الأصل من غير أن يبدو الاثنان غريبين عن بعضهما.

إبراهيم الحسناوي: بوب مارلي الشرق

كان إبراهيم الحسناوي موظف جمارك في ميناء طرابلس حين سمع بوب مارلي لأول مرة سنة 1975، عند صديق يعمل في محل أدوات كهربائية. أعجبته أغاني مثل “نو ومان نو كراي” و”غيت أب ستاند أب” لدرجة أنه قرر أن يدخل هذا الإحساس في موسيقاه هو، فسجل بالليل ما كان يسمعه بالنهار، حتى صار الاسم الذي يلقبه الجميع اليوم بـ”أبو الريقي الليبي” و”بوب مارلي الشرق”.

ركزت أغانيه على رسائل إنسانية بسيطة كالمحبة والتسامح ونبذ الصراع، في أعمال مثل “الحب والسلام” و”لا للحرب لا للقتال” و”قارتي إفريقيا” و”حلوة الحياة” و”ماما الحرية” و”أنا ليبي”. كان أول من نقل الأغنية الليبية إلى مهرجانات ومحافل دولية، واضعًا حجر الأساس لكل ما جاء بعده.

نجيب الهوش وفرقة الموسيقى الحرة: القطيعة مع الموسيقى الشرقية

سنة 1976 في طرابلس، أسس نجيب الهوش فرقة الموسيقى الحرة رفقة نخبة من العازفين: سالم جبريل على الساكسفون، وفخري حراقة، وعبد الرحمن القروي، ومحمد الصيد، ومحمد المسلاتي. قاطعت الفرقة التخت الشرقي الكلاسيكي، باعتمادها الكامل على آلات غربية حديثة ومزجها الريغي بالفانك والديسكو.

أصدرت الفرقة تسعة ألبومات رسمية خلال السبعينيات والثمانينيات، وحققت انتشارًا واسعًا في ليبيا ودول الجوار المغاربي، عبر أغاني محفورة في الذاكرة مثل “ريت عجيبة” و”أنا قلبي احتار” و”من أول مرة” و”ياما عيوني تبات سهاري” و”بنت بلادي” و”وينهم الأصحاب”. حتى تفرقت الفرقة منتصف الثمانينيات، واستمر الهوش بعدها منفردًا حتى الألفينيات.

أحمد فاكرون وفرقة الطائر الأبيض: تجريب مستقل

في بنغازي، كان أحمد فاكرون من أوائل من أدخل إيقاعات الريقي في ألبوماته خلال السبعينيات والثمانينيات، ودمجها بالعود والدربوكة والغيتار الكهربائي، فمنح هذا اللون شرعية جماهيرية أوسع.

وفي 1984، أسست مجموعة من الأصدقاء فرقة الطائر الأبيض، بروح تأثرت في بداياتها بالموسيقي إبراهيم الروك، واختاروا اسمًا يرمز إلى السلام والوحدة. بدأت الفرقة إنتاجها الرسمي أواخر الثمانينيات، وأصدرت ألبومها الأول سنة 1993 بعنوان "ما تصدقيش الناس"، بعد سنوات من العزف بلا منصات حقيقية شكل ظهورها التلفزيوني نقطة تحول أخرجتها من النطاق الضيق إلى جمهور أوسع، عبر أغاني مثل “خديت القليب” و”يا بنت الناس”.

أصوات حملت الريقي عبر الثمانينيات والتسعينيات

كان خالد الميلودي أحد الأصوات التي رافقت هذه المرحلة، وترك أغاني مثل “الدنيا تعطي” و”أنسيني” ما زالت متداولة بين محبي الأرشيف رغم رحيله. وقدم عادل حويّه واحدة من أطول المسيرات في تاريخ الريقي الليبي، بأغانٍ مثل “شن خطر عليك اليوم” و”تاعبتيني” و”غلطانة”، واستمر يحيي حفلات حية حتى سنوات متأخرة نسبيًا. أما الشاب بكر ومحمد البوسيفي فحملا الريقي إلى الألفية الجديدة، الأول بأغانٍ مثل “سامر مكيود”، والثاني بألبوم كامل بعنوان “يا ظالمة” ضم أغاني حفرت مكانها في ذاكرة جمهور الليبي. وإلى جانبهم برز الشاب زيرام، فنان من أصول جزائرية أضاف للريقي الليبي نكهة مختلفة، خصوصًا في ثنائياته المعروفة مع الشاب عبد القادر الجيلاني.

أحمد بن علي: الجيل المتأخر

بين 2003 و2008، سجّل أحمد بن علي، ابن بنغازي، معظم أعماله في استوديو منزلي بعيدًا عن أي شركة إنتاج رسمية، مستفيدًا من سنوات عاشها بين كندا وبريطانيا اختلط فيها بموسيقيين جامايكيين حقيقيين حتى تعلم اللهجة الجامايكية نفسها. لم تحظَ أشرطته بانتشار واسع وقت صدورها، لكنها عادت لاحقًا بطريقتين مختلفتين تمامًا. أغنيته “دمعك ما جاب” انتشرت على نطاق واسع من غير أن يعرف أغلب من استمعوا إليها اسم صاحبها. أما “سبحانه”، فقد عاشت لحظتها الأكبر في يونيو 2026، حين تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق تدريبات منتخب هولندا لكرة القدم على أنغامها، مشهد ما كان أحد ليتخيله لأغنية سجلت في غرفة منزل ببنغازي.

شركات الإنتاج التي حملت الصوت إلى الناس

لم تكن هذه الأغاني لتخرج من غرف التسجيل الصغيرة إلى الشارع لولا شركات إنتاج وتوزيع محلية، في مقدمتها شركة التراث الأفريقي للإنتاج والتوزيع الفني في طرابلس، إلى جانب شركة النجوم وشركة جيل للإنتاج الفني، التي شكّلت مجتمعة جزءًا من البنية الصغيرة التي طبعت هذه الأشرطة ووزّعتها بين المدن الليبية.

البعث الرقمي

بقيت هذه التجربة كلها حبيسة الكاسيت والذاكرة الشعبية لعقود، حتى عثر يانيس شتورتس، صاحب لايبل هابيبي فانك الألماني، سنة 2019 على تسجيلات فرقة الطائر الأبيض في مصنع كاسيتات مهجور بتونس يخزن نصف مليون شريط. تعذر عليه السفر إلى ليبيا بسبب الوضع السياسي، فاستعان بشخص محلي ينقل الأشرطة الأصلية إلى القاهرة ليحوّلها رقميًا في غرفة فندق.

من هناك بدأت رحلة إعادة الاكتشاف: إصدارات موثقة لإبراهيم الحسناوي وأحمد بن علي والطائر الأبيض، وإعادة إطلاق أغنية “أنا قلبي احتار” لفرقة الموسيقى الحرة سنة 2023، وانتشار أعمال الحسناوي وبن علي. واليوم، تجمع صفحات فيسبوك عشرات آلاف الأعضاء من أجيال مختلفة، هدفها الوحيد تبادل أغاني قديمة لا وجود لها في أي مكان آخر.

لم يكن للريقي الليبي يومًا صناعة تحميه أو مؤسسة توثقه. عاش في السيارات والأعراس والكاسيتات المنسوخة يدويًا من شخص لآخر، وصمد بهذا الشكل وحده أكثر من أربعين سنة، إلى أن وجد أخيرًا من يسمعه خارج ليبيا.

هيثم سعيد

Editor at rthm. Writing on MUSIC.

Newsletter

Stay with rthm — the week's best stories in your inbox.